حسن حسني عبد الوهاب
74
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
الذين تداولوا الحكم على المغرب من لدن الدولة الأموية وأول العباسية ، ولا لأفراد الأمة على عهدهم ، أن يعنوا بجمع الكتب وقد شغلتهم عن ذلك الثورات القائمة في البلاد وكذا الغزوات البعيدة برا وبحرا . فكان اتجاههم منصرفا كلّه لإقرار سلطان الإسلام وتمهيد أسباب الراحة والدعة . وجلي أن الكتب كانت في تلك الآونة قليلة ، وقليلة جدا - ما عدى المصاحف - إذ كان العصر عصر فتح ، وعصر جمع اللغة وإحصاء كلام العرب من الشعر والنثر ، والشروع في نقل علوم الأوائل من لغاتها الأصلية إلى العربية . ولم يتسن لبلاد إفريقية أن تنال الأمن المنشود إلا بعد ما ملك " بنو الأغلب " ناصيتها ، فمهد الأول منهم الأسباب لقمع الثائرين ، وقطع جشع الطامعين في الولاية ، ثم شغل الأمراء - وسائر الشعب معهم - أمر الغزوات البحرية ، وامتلاك جزائر البحر الأبيض المتوسط ، كصقلية ، ومالطة ، وقوصرة وما إليها ، فلم يتيسر لهم الاعتناء بوسائل العلم وجمع الكتب إلا في أواخر دولتهم ، أعني في مدة إبراهيم الأصغر وأبنائه من بعده . لكن إبراهيم الرقيق يفيدنا - في سياق كلام له - أنه كان يوجد في إحدى قاعات القصر الأبيض بالعباسية خزانة كتب حافلة يطالع فيها أمراء الأغالبة وأهل بيتهم ، وكان يشرف عليها بالنظر بعض فتيانهم المقرّبين ، فلما ابتنى إبراهيم الأصغر رقادة وحوّل إليها حاشيته ودواوينه نقل تلك الخزانة برمّتها من العباسية إلى مدينته الجديدة ، وإنا لا نعلم عن هذه الخزانة شيئا غير ما قدّمنا . وأسّس إبراهيم الثاني لأول ولايته مدينة " رقّادة " - عام 264 - وجهّز في سنتها سفارة إلى عواصم الشرق الكبرى - الفسطاط ، ودمشق وبغداد - ليستوفد منها علماء مختصّين من أطباء ، وفلكيين ، ومغنيين وغيرهم بنيّة إقرارهم في عاصمته الجديدة التي أراد أن يباهي بها " سامرّاء " با العراق " والفسطاط " بمصر ، فجلب إليه سفراؤه من تلكم العواصم زمرة علماء أشرنا إلى دخولهم وتأثيرهم في غير هذا المكان ، كما جلبوا إليه منها الأعلاق النفيسة على ما جرت به عادة سائر الملوك للتظاهر بالأبهة والتفاخر بشارات البذخ ، ومن جملة ما حمل إليه الكتب النادرة